تحوّل ورش السفن الجديد بميناء الدار البيضاء، الذي أطلقته الوكالة الوطنية للموانئ بهدف إنشاء منصة متطورة لبناء وإصلاح وتحويل السفن، إلى محور منافسة دولية بين تحالفات تضم شركات آسيوية وأوروبية ومغربية.
ووضع دخول المجموعة الصينية Ningbo Xinle Shipbuilding Group إلى سباق الحصول على امتياز استغلال الورش البحري الجديد، شركة صوماجيك (Somagec) أمام اختبار غير مسبوق داخل السوق المغربية، بعدما راكمت خلال العقود الماضية حضوراً قوياً في مشاريع البنيات التحتية والأشغال البحرية داخل المغرب وعدد من الدول الإفريقية.
لم تعد المنافسة مجرد مواجهة بين شركتين، بل أصبحت سباقاً بين نماذج صناعية مختلفة، من جهة تحالف تقوده خبرة صينية في صناعة السفن، ومن جهة أخرى تحالف يضم عملاقاً كورياً في بناء السفن وشركة تركية متخصصة في الإصلاح والتحويلات البحرية، إلى جانب صوماجيك كلاعب مغربي.
الصين تقلب موازين المنافسة
لم يكن دخول Ningbo Xinle مجرد ترشح جديد للحصول على الصفقة، بل أدى إلى تغيير خريطة التحالفات داخل المشروع.
فقد دفعت المنافسة الصينية كلاً من العملاق الكوري الجنوبي HD Hyundai Heavy Industries والشركة التركية Kuzey Star Shipyard إلى توحيد جهودهما ضمن تحالف يضم المجموعة المغربية صوماجيك، بهدف تقديم عرض يجمع بين الخبرة العالمية في الصناعة البحرية والحضور المحلي داخل المغرب.
في المقابل، يدخل التحالف المنافس بقيادة Ningbo Xinle بشراكة مع المجموعة المغربية Radi Holding والشركة الإسبانية Marina Meridional، التي تنشط في مجالات بناء وإصلاح وتحويل السفن.
كما توجد منافسة ثالثة من شركة إيطالية ضمن القائمة النهائية، ما يعكس حجم الاهتمام الدولي بالمشروع.
رهان بأكثر من 300 مليون دولار
تشمل صفقة ورش السفن الجديد بالدار البيضاء، تمويل وإنجاز وتجهيز واستغلال وصيانة الورش لمدة تصل إلى 30 سنة.
ويمتد المشروع على حوالي 21 هكتاراً، ويضم منشآت متطورة، من بينها حوض جاف بطول 244 متراً وعرض 40 متراً، ومنصة قادرة على رفع سفن يصل وزنها إلى 9000 طن، إضافة إلى تجهيزات بحرية وأرصفة تمتد لمئات الأمتار.
وتقدر الكلفة الإجمالية للمشروع بأكثر من 300 مليون دولار، ما يجعله من أكبر الاستثمارات المرتبطة بالصناعة البحرية في المغرب.
صوماجيك أمام اختبار قوة
تمثل هذه المنافسة محطة مهمة بالنسبة لصوماجيك، التي استطاعت خلال السنوات الماضية بناء صورة شركة مغربية حاضرة في مشاريع كبرى مرتبطة بالبنيات التحتية والموانئ والأشغال البحرية.
غير أن دخول شركات عالمية متخصصة في الصناعة البحرية يطرح سؤالاً حول قدرة المجموعة على الحفاظ على موقعها في مشاريع ذات طبيعة تقنية وصناعية عالية.
فالمنافس الجديد لا يأتي فقط برأس المال، بل بخبرة صناعية ضخمة. فـHD Hyundai Heavy Industries، شريك صوماجيك في أحد التحالفات، تعد من أبرز الشركات العالمية في بناء السفن، فيما تتوفر الشركات الصينية والتركية على خبرات واسعة في قطاعات البناء والإصلاح والتحويل البحري.
وبالتالي، فإن الرهان بالنسبة لصوماجيك لم يعد فقط الاستفادة من معرفتها بالسوق المغربية، بل إثبات قدرتها على قيادة مشاريع صناعية معقدة في مواجهة منافسين دوليين.
صورة سلبية تؤثر على صوماجيك
تأتي هذه المنافسة في سياق واجهت فيه صوماجيك انتقادات مرتبطة ببعض المشاريع خارج المغرب.
ففي غينيا مثلا، أثار مشروع فندق “ميديالونا” قبل أشهر قليلة، جدلاً بعدما قررت السلطات هناك إعادة النظر في وضعية المشروع، وسط انتقادات مرتبطة بتأخر الإنجاز واستمرار التعثر، وهي قضية أثرت على صورة شركة صوماجيك في أحد الأسواق الإفريقية التي كانت تراهن عليها.
كما واجه نشاط فرع صوماجيك المتخصص في تدبير مواقف السيارات (صوماجيك باركينغ) انتقادات محلية، خصوصاً في طنجة، حيث أثير نقاش حول طريقة تدبير مواقف السيارات وعلاقة الشركة بالمواطنين والسلطات المحلية.
هذه الملفات لا ترتبط مباشرة بمشروع ورش السفن، لكنها تدخل ضمن النقاش الأوسع حول صورة وأداء الشركات التي تتولى تدبير مشاريع وخدمات ذات تأثير مباشر على الاقتصاد والمجتمع.
أكثر من مجرد ورش بحري
أهمية المشروع لا تكمن فقط في تشغيل ورش للسفن، بل في إمكانية تحويل الدار البيضاء إلى مركز إقليمي لخدمات الإصلاح والصيانة البحرية بين أوروبا وإفريقيا.
كما يتقاطع المشروع مع توجه المغرب نحو تطوير قطاع النقل البحري وتعزيز قدراته الصناعية المرتبطة بالبحر.
وسيكون الفائز بالامتياز أمام فرصة للاستفادة من سوق واعدة تشمل إصلاح السفن وتحويلها وصيانتها، خاصة مع الموقع الجغرافي للمغرب القريب من خطوط الملاحة بين المتوسط والمحيط الأطلسي وغرب إفريقيا.
من يربح الصفقة؟
لن تحدد هذه الصفقة فقط اسم الشركة التي ستدير ورش السفن بالدار البيضاء، بل ستكشف أيضاً طبيعة النموذج الذي يريد المغرب اعتماده في تطوير صناعة بحرية وطنية.
فوز تحالف صوماجيك مع شركائها الدوليين سيعزز حضور المجموعة المغربية في مشروع صناعي استراتيجي، بينما فوز التحالف الصيني سيؤشر على دخول لاعب آسيوي قوي إلى مجال ظل قريباً من الفاعلين المحليين.
وبغض النظر عن هوية الفائز، فإن هذه الصفقة تؤكد أن مرحلة جديدة بدأت في سوق المشاريع الكبرى بالمغرب، حيث لم تعد الخبرة المحلية وحدها كافية، بل أصبحت التحالفات الدولية والقدرة الصناعية عوامل حاسمة في معارك النفوذ الاقتصادي.





