أصدر مجلس المنافسة رأياً حول السير التنافسي لسوق مواد البناء، وذلك استجابة لطلبات بشأن الارتفاعات الحادة التي شهدتها أسعار مواد البناء، خاصة الإسمنت، في السوق الوطنية خلال سنة 2022.
وكشف الرأي – الذي يمتد على فترة 2018 إلى 2024 – أن هذه الزيادات جاءت في سياق تضخمي واسع النطاق، متأثرة بتداعيات مرحلة التعافي عقب جائحة كوفيد-19 والتوترات الجيوسياسية، وليست ناتجة عن ممارسات احتكارية أو استغلال تعسفي لوضعية مهيمنة.
وأبرز التقرير أن صناعة الإسمنت الوطنية تلعب دوراً استراتيجياً في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع منظومة صناعية قوية تغطي الحاجيات الوطنية وفق معايير الجودة، حيث تمثل تكلفة الإسمنت نحو 8-10% من تكلفة بناء المساكن الاجتماعية.
وأوضح المجلس أن القدرات الإنتاجية الوطنية تبلغ 27.3 مليون طن سنوياً، مع هيمنة الشركات المندمجة (97% من القدرات)، وتركز في ثلاث جهات رئيسية (الدار البيضاء-سطات، سوس-ماسة، والشرق) تشكل أكثر من 58% من الإجمالي.
كما برز نمط جديد لإنتاج الإسمنت قائم على مراكز الطحن المستقلة، التي تشكل 17% من القدرات، مما يعزز التنافسية رغم حواجز الولوج المالية والإدارية العالية، حيث يستغرق إحداث مصنع مندمج 8-10 سنوات ويحتاج استثمارات ضخمة.
وأكد الرأي أن السوق عالية التركيز، حيث تسيطر ثلاث شركات (LafargeHolcim Maroc، Ciments du Maroc، Ciments de l’Atlas) على 80-90% من الطلب، لكنها تشهد دينامية تنافسية ملحوظة من خلال تغييرات في الحصص السوقية ودخول فاعلين جدد مثل Novacim.
وأبرز دور الموزعين كمحفزين للمنافسة، حيث يوزعون 66% من الكميات الوطنية و92% من الإسمنت الموجه للبناء السكني، مع ضعف استغلال القدرات الإنتاجية (حوالي 60%) الذي يحد من فعالية السوق.
التدليس
كما كشف التقرير عن ممارسات تدليسية شائعة في البيع بالتقسيط، مثل إصدار فواتير وهمية للمنعشين العقاريين، مما يخل بالسير التنافسي.
وأفاد التحقيق أن بعض الموزعين يقومون – مقابل تعويضات مالية – بتزويد المنعشين العقاريين بفواتير وهمية لا تتوافق مع الكميات الفعلية المشتراة من الإسمنت. وتعود جذور هذه الممارسات إلى معاملات البيع بالتقسيط التي ينجزها بعض تجار التقسيط المعروفين محلياً باسم «الكلسات»، حيث تتم هذه العمليات دون تحرير فواتير رسمية ودون أداء نقدي فوري لقيمتها.
وأوضح الرأي أن هذه الممارسات – في حال ثبوتها – تمس بشكل مباشر بالسير التنافسي السليم للسوق، خاصة وأن شريحة واسعة من تجار التقسيط تنشط ضمن القطاع غير المهيكل.
وتسمح هذه العمليات للمنعشين العقاريين بتضخيم التكاليف المعلنة أو الحصول على مزايا مالية غير مشروعة، مما يخل بالشفافية ويضر بالمنافسة العادلة بين الفاعلين، ويفتح الباب أمام مخاطر التهرب الضريبي والإخلال بقواعد المحاسبة.
وأكد مجلس المنافسة أن هذه الظاهرة تتفاقم بسبب ضعف التنظيم في حلقة البيع بالتقسيط، التي تشكل محوراً أساسياً لتوزيع الإسمنت على المستوى المحلي، خاصة في مشاريع البناء الذاتي والإنعاش العقاري الصغيرة والمتوسطة.
وفي توصياته، دعا المجلس إلى تقنين أنشطة تجار التقسيط بشكل صارم، وتعزيز آليات المراقبة على الفواتير والمعاملات، وتفعيل إجراءات رقابية مشددة على حلقة التوزيع غير المهيكلة، مع ضرورة إشراك الجهات المختصة (الضرائب، الجمارك، الشرطة الاقتصادية) للتصدي لهذه الممارسات التي تهدد نزاهة السوق بأكملها.





