توفي الشيخ عبد العزيز الكرعاني، أحد أبرز المقرئين في المغرب، صباح يوم السبت 31 ماي، في إحدى المصحات الخاصة بمنطقة بوسكورة قرب الدار البيضاء، بعد صراع طويل مع مرض السرطان.
نشأته وبداياته مع القرآن
وُلد الشيخ عبد العزيز الكرعاني في بيئة مغربية محافظة تحترم القرآن الكريم وتعظم تعاليمه. منذ نعومة أظفاره، أظهر شغفًا كبيرًا بحفظ كتاب الله. قام والداه بإرساله في سن الخامسة إلى الكُتّاب، وهي المدارس التقليدية التي تُعنى بتحفيظ القرآن في المغرب. كان خاله، الذي كرّس حياته لتعليم الصغار، أول شيوخه. لقد أشرف على تعليمه القرآن بطريقة “اللوح” التقليدية المعروفة في المغرب. في هذا السياق، قال الكرعاني في إحدى مقابلاته التلفزيونية: “بلغت الخامسة من العمر وقد أرسلني والدي إلى الكتاب… وكان والداي مسرورين بوجودي داخل لحفظ القرآن الكريم على يد خالي الذي كرس حياته لتحفيظ الصغار، فرحمة الله عليه، وقد حفظت عليه جزءًا لا بأس به من القرآن الكريم.”
هذه البداية المتواضعة كانت اللبنة الأولى في بناء شخصية قرآنية متميزة. تجلّت موهبته في التلاوة وإتقان الأحكام التجويدية منذ صغره. لم يكن تعلمه مقتصرًا على الحفظ، بل امتد إلى استيعاب الروحانيات التي يحملها القرآن. هذا الأمر جعل تلاوته لاحقًا تتسم بالخشوع والتأثير العميق.
مشائخه وتأثيرهم
كان خاله الشيخ الأول الذي أشرف على تعليمه القرآن. هو من زرع فيه حب التلاوة والتجويد. هذا التأثير المبكر شكّل أساسًا متينًا لمسيرة الكرعاني. حيث استمر في صقل موهبته من خلال التعلم من علماء ومقرئين آخرين في المغرب. وعلى الرغم من أن الكرعاني لم يذكر تفاصيل كثيرة عن مشائخه الآخرين في المقابلات، إلا أن إتقانه لقراءة ورش عن نافع، وهي القراءة الشائعة في المغرب، يعكس عمق دراسته. كان تتلمذه على يد أساتذة متمكنين في علم القرآن.
مسيرته المهنية والدينية
لم يقتصر دور الشيخ عبد العزيز الكرعاني على التلاوة فقط. بل كان إمامًا ومعلمًا وإطارًا تربويًا ساهم في نشر القرآن وتعليمه. بدأ مسيرته الدينية كإمام في مسجد خاله، حيث حفظ القرآن في صغره. لينتقل ليؤم الناس في مسجد التوبة بحي الفتح بالدار البيضاء لمدة خمس سنوات. لاحقًا، تولى الإمامة في مسجد التيسير بحي سيدي معروف لمدة ثلاث سنوات. وانتقل إلى مسجد كبير، ومن بعده مسجد السلام. هناك، أمّ الناس في صلاة التراويح خلال شهر رمضان من عام 2003 إلى 2006. وأخيرًا، استقر في مسجد القاضي عياض بالدار البيضاء، حيث أصبح إمامًا دائمًا. اشتهر بتلاوته المؤثرة التي جذبت المصلين من مختلف أنحاء المدينة.
في هذا السياق، قال الكرعاني في إحدى المقابلات: “بدأت أؤم الناس بمسجد خالي الذي حفظت فيه بالصغر، مباشرة انتقلت إلى مسجد التوبة بذات الحي وصليت بالناس قرابة الخمس سنوات. ثم انتقلت إلى مسجد التيسير بحي سيدي معروف وأممت الناس 3 سنوات. وبعدها مسجد كبير. فمسجد السلام حيث أممت الناس من سنة 2003 حتى 2006 في شهر رمضان فقط، وأخيرا انتقلت إلى هذا المسجد وهو مسجد القاضي عياض بمدينة الدار البيضاء.”
إلى جانب إمامته، كان الكرعاني إطارًا تربويًا. لقد عمل في مجال التعليم، وساهم في توجيه وتعليم الأجيال الجديدة. كثيرًا ما ساعدهم سواء في القرآن أو في القيم الأخلاقية والدينية. كما اشتهر بحضوره في العديد من المحافل القرآنية، سواء داخل المغرب أو خارجه. كان يُدعى لإحياء المناسبات الدينية بتلاوته الفريدة.
أسلوبه وتأثيره
كان الشيخ عبد العزيز الكرعاني يتميز بأسلوب خاص في التلاوة. يجمع بين الإتقان التجويدي والعمق الروحاني. صوته الشجي، الذي يحمل نبرة الحزن والخشوع، كان يأسر قلوب المستمعين. كان تأثيره واضحًا سواء في صلاة التراويح أو في التسجيلات التي انتشرت على نطاق واسع. لم يكن الكرعاني مجرد قارئ، بل كان راوية للقرآن ينقل معانيه وروحانياته إلى القلوب. هذا ما جعله واحدًا من أبرز المقرئين في المغرب.
تواضعه وأخلاقه العالية كانت جزءًا لا يتجزأ من شخصيته. كان يتعامل مع الناس بلطف ومحبة، وكان قريبًا من المصلين والتلاميذ، مما زاد من محبته في قلوب الناس. لقد كان نموذجًا للعالم المتواضع الذي يجمع بين العلم والعمل والأخلاق.
وفاته وردود الفعل
رحل الشيخ عبد العزيز الكرعاني في مصحة خاصة بمنطقة بوسكورة قرب الدار البيضاء، بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان. أثارت وفاته موجة من الحزن العميق في المغرب وخارجه. نعاه العديد من العلماء، المقرئين، والمحبين عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الدينية. وصفه الكثيرون بأنه “صوت الجنة” و”القارئ الذي أحيا القلوب بتلاوته”. وقد دعا له الجميع بالرحمة والمغفرة، وأن يجعل الله القرآن شفيعًا له يوم القيامة.





