سارعت التيارات الإسلامية المشاركة في أسطول الصمود ومن بينهم العدل والإحسان والعدالة والتنمية إلى استنكار ورفض ما أقدم عليه “الأسطول” من دعم جبهة البوليساريو وانفصال الصحراء وتشبيهها بقضية فلسطين.
هذه التيارات التي أنعشت هذه المبادرات “اليسارية” في الغالب ومنحتها بعدا شعبيا في المغرب، حاولت إظهار بأن الأمر مجرد منشور خاطئ نشر في صفحة، بينما الوقائع تظهر بأن الأمر ليس مجرد خطأ، لكنه “توجه هذه المنظمات” ولن يتغير وسيتكرر دائما مع الأسطول وغيره والسبب هو “القومية العربية واليسار المتطرف“.
العروبة ضد المغرب!!
في سياق الحرب على غزة، برزت مبادرات بحرية دولية مثل أسطول الصمود العالمي، التي تهدف ظاهريا إلى كسر الحصار الإسرائيلي وإيصال مساعدات إنسانية. شهدت هذه المبادرات مشاركة مغربية عبر أسطول الصمود المغاربي، الذي انطلق من موانئ تونسية بمشاركة نشطاء مغاربة وآخرين من دول المنطقة.
لكن هذه المبادرات تتجاوز البعد الإنساني، وتعكس توجهات سياسية عميقة قائمة على اليسار الماركسي اللينيني الممزوج بالقومية العربية (العروبة). هذا التوجه يجعل الشخصيات والمنظمات المعنية تنظر إلى المغرب كـ”دولة محتلة” للصحراء، تماما كما تفعل منظمات فلسطينية ولبنانية وسورية تعتمد الفكر نفسه.
الخلفية الإيديولوجية لأسطول الصمود
تنتمي غالبية المنظمات والشبكات المنخرطة في هذه الأساطيل إلى تيارات يسارية ماركسية لينينية، تتبنى نظرية الصراع الطبقي والتحرر الوطني ضد “الإمبريالية” والاستعمار. هذه التيارات، المتأثرة بالفكر الماركسي اللينيني، تربط بين مختلف “القضايا التحررية” في إطار أممي واحد.
فالنضال الفلسطيني يندمج في رؤيتها مع نضالات أخرى، بما في ذلك ما تسميه “تحرير الصحراء الغربية”.
وهذا الربط تاريخي، منذ السبعينيات، دعمت منظمات فلسطينية يسارية ماركسية لينينية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جبهة البوليساريو، معتبرة إياها حركة تحرر وطني اشتراكية. وقد أقيمت علاقات بين قادة الجانبين (مثل لقاء الولي مصطفى السيد مع جورج حبش)، وأكدت الجبهة الشعبية تضامنها المستمر مع “الشعب الصحراوي” ضمن الصراع المشترك ضد الاستعمار.
تنطبق الرؤية نفسها على منظمات لبنانية وسورية يسارية ماركسية لينينية، وتيارات قومية عروبية في المغرب العربي. يرى هذا الفكر في الوجود المغربي بالصحراء “احتلالا”، ويربط القضية بفلسطين كجزء من مواجهة “الرجعية” والإمبريالية.
استغلال التضامن المغربي الشعبي
يتمتع الشعب المغربي بتعاطف تاريخي عميق مع فلسطين، يتجلى في المسيرات والدعم الواسع. تستغل بعض هذه الشبكات هذا التعاطف لكسب الزخم والشرعية داخل المغرب. تقدم المشاركة المغربية في الأسطول كدليل على “الوحدة العربية”، بينما يبقى التوجه الماركسي اللينيني الأساسي ثابتا.
التطبيع
عقب حذف “الوثائقي” الذي كان أسطول الصمود يسعى لعرضه، خرج فرعه في المغرب ليحمل التطبيع مسؤولية ما حدث، لكن هذا الادعاء كاذب. فدعم هذه التيارات الماركسية اللينينية للبوليساريو يعود إلى عقود قبل التطبيع 2020.
فبعدما تأسست البوليساريو عام 1973 كحركة يسارية اشتراكية، حظيت بدعم دوائر ماركسية لينينية عربية بغض النظر عن مواقف المغرب السابقة من إسرائيل. فالتوجه الإيديولوجي الجذري، لا يتأثر بتغيرات السياسة الخارجية المغربية.
وعلى مر السنين لم يتغير توجه هذه المنظمات سواء طبع المغرب أم لم يطبع. فهي ترى في المغرب نموذجا “رجعيا” أو حليفا للغرب ضمن إطارها الماركسي اللينيني، وتسعى لإعادة صياغة الخرائط الإقليمية وفق معايير “التحرر الوطني” الاشتراكي.
وعليه فإن ربط انفصال الصحراء بفلسطين ليس صدفة، بل محاولة لتوحيد “النضالات” تحت راية واحدة. حتى داخل أسطول الصمود (الذي يجمع مشاركين من دول مختلفة)، يبرز هذا الخليط الإيديولوجي الماركسي اللينيني، خاصة مع وجود عناصر من تيارات تدعم تقليديا مواقف معادية للسيادة المغربية على أقاليمها الجنوبية.
وقبل واقعة “الوثائقي” ظهر مجموعة من النشطاء المشاركين في الأسطول في مخيمات تندوف بالجزائر يدعمون الانفصاليين، وقبلهم نشر نشطاء مشاركون في نفس الأسطول نداءات ورسائل تطالب بتمتيع الصحراء بالاستقلال عن المغرب.
التوجه المعروف
أسطول الصمود وشبيهاته ليست مجرد جهود إنسانية، بل تعبير عن توجه يساري ماركسي لينيني يمتزج بالقومية العروبية ويستغل شعبية التيارات الإسلامية. هذا التوجه يدفع بعض المنظمات الفلسطينية والعربية إلى اعتبار المغرب محتلا في الصحراء، ويستغل التعاطف المغربي مع غزة لأغراض أوسع.
التضامن الصادق مع فلسطين لا يتعارض مع الدفاع عن السيادة المغربية الكاملة على الصحراء، التي تحظى بدعم دولي متزايد. وما حدث يجب أن يدفع المغاربة إلى التمييز بين الدعم الإنساني الحقيقي وبين الأجندات الإيديولوجية التي تحاول ركوب الموجة لتحقيق أهداف انفصالية أو إقليمية.





