في صباح يوم الأحد 12 يوليوز 2026، أعلن الديوان الأميري القطري وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عن عمر ناهز 74 عاماً. أعلنت قطر الحداد الوطني لمدة أربعة أيام، وتقام صلاة الجنازة بعد صلاة المغرب في مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب بالدوحة، ثم الدفن في مقبرة لوسيل.
يُعد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أحد أبرز الشخصيات في تاريخ قطر الحديث، إذ قاد البلاد منذ انقلابه الأبيض عام 1995 حتى تنازله الطوعي عن الحكم عام 2013، محولاً إمارة صغيرة تعتمد على النفط إلى دولة عالمية رائدة في الطاقة والإعلام والتعليم والدبلوماسية والرياضة.
النشأة والصعود العسكري والسياسي
وُلد الشيخ حمد بن خليفة بن حمد آل ثاني في 1 يناير 1952 في الدوحة. توفيت والدته بعد ولادته بفترة قصيرة، فتولى عمه تربيته. تلقى تعليمه العسكري في الأكاديمية العسكرية الملكية البريطانية ساندهيرست، وتخرج فيها عام 1971 برتبة مقدم في القوات المسلحة القطرية.
تدرج بسرعة في الرتب العسكرية: أصبح قائداً للواء المتنقل (الذي سُمي لاحقاً “لواء حمد”)، ثم رئيس أركان الجيش برتبة جنرال عام 1972، وقائداً أعلى للقوات المسلحة برتبة لواء، ووزيراً للدفاع عام 1977. كما عُيّن ولياً للعهد في العام نفسه.
منذ أوائل الثمانينيات، وخاصة بعد عام 1992، بدأ والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني (الذي تولى الحكم عام 1972) يسلم له تدريجياً مسؤوليات إدارة الشؤون اليومية، بما في ذلك تطوير موارد النفط والغاز، بينما احتفظ الوالد بالسيطرة على الشؤون المالية.
الانقلاب الأبيض عام 1995
في 27 يونيو 1995، قام الشيخ حمد بانقلاب أبيض سلمي على والده أثناء وجود الأخير في جنيف بسويسرا. جاء الانقلاب بعد خلافات حول السلطة، حيث حاول الوالد استعادة بعض الصلاحيات التي فوضها سابقاً. أصبح الشيخ حمد أميراً لقطر، وتوج رسمياً في 20 يونيو 2000.عاش والده في المنفى في فرنسا ثم أبوظبي، قبل أن يعود إلى قطر عام 2004. نجا الشيخ حمد من محاولة انقلاب مضادة فاشلة في فبراير 1996. كان الانقلاب نقطة تحول حاسمة، إذ أتاح له تنفيذ رؤيته الإصلاحية دون قيود سابقة.
فترة الحكم (1995-2013): بناء قطر الحديثة
خلال 18 عاماً من الحكم، قاد الشيخ حمد تحولاً جذرياً في قطر:
التحول الاقتصادي وثروة الغاز
ركز على تطوير حقل الشمال (أكبر حقل غاز منفرد في العالم). ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسال إلى 77 مليون طن بحلول نهاية عهده، مما جعل قطر أغنى دولة في العالم من حيث نصيب الفرد من الدخل (حوالي 86 ألف دولار). أسس هيئة الاستثمار القطرية (QIA) التي استثمرت أكثر من 100 مليار دولار عالمياً في أصول بارزة مثل “ذا شارد” في لندن، وهارودز، وباريس سان جيرمان، وفولكس فاجن، ومطار هيثرو، وبنوك عالمية. ساهم ذلك في تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط.
الإعلام والانفتاح
أسس قناة الجزيرة عام 1996 بمرسوم أميري، التي أصبحت صوتاً إعلامياً عربياً عالمياً مؤثراً، رغم الجدل حول تغطيتها. ألغى وزارة الإعلام وشجع حرية الصحافة نسبياً.
التعليم والتنمية البشرية
بالتعاون مع زوجته الشيخة موزة بنت ناصر المسند، أسس مؤسسة قطر و”مدينة التعليم” (Education City)، التي استقطبت فروع جامعات عالمية مرموقة مثل جورجتاون، وكارنيغي ميلون، وتكساس إيه آند إم، ووايل كورنيل الطبية. جعل التعليم إلزامياً ورفع مستوى التعليم العالي والبحث العلمي.
الرياضة والاستضافات الدولية
شجع الرياضة بقوة. استضافت قطر دورة الألعاب الآسيوية 2006، وكأس آسيا 2011، وفازت باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 (أُعلن الفوز عام 2010)، مما دفع تطوير البنية التحتية بشكل هائل.
الإصلاحات السياسية
أقر الدستور الدائم عام 2003 بعد استفتاء. أُجريت أول انتخابات بلدية عام 1999، وفتح المجال أمام مشاركة المرأة في الانتخابات والحياة العامة.
السياسة الخارجية
لعب دور الوسيط في نزاعات إقليمية (اتفاق الدوحة 2008 في لبنان، وغيرها). استضاف قواعد عسكرية أمريكية كبرى (العديد والسيلية)، وحافظ على علاقات متوازنة مع إيران والولايات المتحدة. دعم بعض حركات الربيع العربي عام 2011، مما عزز نفوذ قطر إقليمياً لكنه أثار توترات مع بعض الدول المجاورة. زار غزة عام 2012 وقدم مساعدات كبيرة.
التنازل عن الحكم والدور اللاحق
في 25 يونيو 2013، ألقى الشيخ حمد خطاباً متلفزاً أعلن فيه تنازله الطوعي عن الحكم لابنه الرابع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني (من الشيخة موزة)، قائلاً إن “الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة يحمل فيها جيل جديد المسؤوليات”. أصبح يُلقب بـ”الأمير الوالد” أو “الأب الأمير”، واحتفظ بدور استشاري غير رسمي حتى وفاته.
الإرث والتأثير
ترك الشيخ حمد إرثاً عميقاً: قطر اليوم دولة حديثة ذات نفوذ عالمي، اقتصاد متنوع، بنية تحتية متقدمة، ومكانة دبلوماسية وإعلامية بارزة. كان رجلاً عملياً، يُوصف بأنه قريب من الناس، ومهندس رؤية جعلت قطر لاعباً رئيسياً على الساحة الدولية رغم صغر حجمها.
رحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بعد مسيرة حافلة بالتحولات، تاركاً قطر أقوى وأكثر انفتاحاً مما كانت عليه.





